سيد محمد طنطاوي

12

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وبعد هذا الحديث الحكيم المستفيض عن غزوة أحد ، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن أهل الكتاب فذكرت جانبا من رذائل اليهود ، الذين حكى اللَّه - تعالى - عنهم أنهم قالوا : إِنَّ اللَّه فَقِيرٌ ونَحْنُ أَغْنِياءُ وأنهم قالوا : أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُه النَّارُ . وأنهم قد نقضوا عهودهم مع اللَّه وباعوا دينهم بدنياهم الفانية . وقد توعدهم اللَّه - تعالى - على ارتكابهم لهذه الرذائل والمنكرات بالعذاب المهين ما ظَلَمَهُمُ اللَّه ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . ثم تحدثت السورة الكريمة في أواخرها عن صفات أولى الألباب ، وحكت عنهم ما كانوا يتضرعون به إلى اللَّه من دعوات خاشعات ، وابتهالات طيبات ، وكيف أنه - سبحانه - قد أجاب لهم دعاءهم ببركة قوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وطهارة قلوبهم . وكانت الآية الخاتمة فيها تدعو المؤمنين إلى الصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى اللَّه ، لأن المؤمن الذي تتوفر فيه هذه الصفات يكون أهلا للفلاح في الدنيا والآخرة . قال - تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا ، واتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . هذا ونستطيع بعد هذا العرض الإجمالي لأهم المقاصد التي اشتملت عليها سورة آل عمران أن نستخلص ما يأتي : أولا : أن السورة الكريمة قد اهتمت بإثبات وحدانية اللَّه - تعالى - وإقامة الأدلة الساطعة على ذلك ، وإثبات أن الدين الحق الذي ارتضاه اللَّه تعالى - لعباده هو دين الإسلام ، الذي أرسل به نبيه محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وقد ساقت السورة الكريمة لإثبات هذه الحقائق آيات كثيرة منها قوله تعالى : اللَّه لا إِله إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . وقوله - تعالى : شَهِدَ اللَّه أَنَّه لا إِله إِلَّا هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ . لا إِله إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّه الإِسْلامُ . وقوله - تعالى : ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه ، وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ . ثانيا : أن السورة الكريمة قد فصلت الحديث عن أحوال أهل الكتاب ، بأسلوب مقنع حكيم يحق الحق ويبطل الباطل . فأنت إذا طالعتها بتدبر تراها تارة تتحدث عن الكفر الذي ارتكسوا فيه بسبب اختلافهم وبغيهم . ومَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ .